محمد بن جعفر الكتاني

280

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

كان - رحمه اللّه - في أول أمره ، على ما ذكره الشيخ التاودي في فهرسته : غبّارا . قال فيها : « قلت له يوما : هل كنت تصلي في ذلك الزمان ؟ . قال : لا » . ه . وقال غيره : كان يتعاطى أسباب الدنيا ؛ فلم يحصل له مقدار نصاب الزكاة منها أصلا ، وكان يبيع الكبريت قرب سوق الغزل من عدوة فاس القرويين ، ثم إنه ورد لفاس مولاي التهامي الوازاني ؛ فذهب إليه وزاره وتبرك به ، ثم جعل يتردد لسيدي عزوز ، دفين طالعة فاس ، فحصلت له حينئذ الكراهة للدنيا والخوض فيها ، وكان في زمان غفلته قد ضيع صلوات كثيرة ؛ فتجرد لقضائها حتى قضى صلاة ثلاث عشرة سنة ، ثم خرج لبعض الكهوف بجبل زعفران خارج باب الجيسة ، وجعل يتعبد فيه ، ويقتصر على القوت من الأعشاب ، وما يسقط من التين قبل طيبه مما [ 248 ] يلتقط من تلك الجهات ، ويشرب عليه الماء ، مع إدمان الصوم والذكر ، يذكر كل يوم سبعين ألفا من الهيللة ، ومثلها بالليل ، ورأى في ذلك من العجائب ما لا يحصى ، وكانت الجمادات تكلمه وتبشره بما حصل له من الفتح العظيم ، وتقول له : « هنيئا لك ، لم يبلغ هذا المقام أحد إلا أمن من السلب ؛ إلا القليل ! » . ثم كشف الحجاب بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؛ فصار لا يشاهد في العالم إلا وجهه الشريف حيث توجه ، وبقي كذلك مدة ؛ قال : « فقال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ها أنت وربك » . وحينئذ طلعت عليه شموس المعارف ، وأدرك ما لا يكيف من الأسرار واللطائف ، ولقي الخضر عليه السلام ، وقال له : « أنا الخضر ؛ بعثني اللّه إليك لأخبرك بأن ما تشاء يعطيك اللّه إياه » . وأذن له في الجلوس في القرويين ؛ فلازم الجلوس فيها ، وكان يجلس إليه أقوام لاستماع معارفه ؛ فكان يأتي من ذلك بما يسحر الألباب ، ويقضي منه العجب والعجاب . وكان - رضي اللّه عنه - من الذاكرين اللّه كثيرا ، لا تراه قط ساكن الشفتين ، مستغرقا في مشاهدة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وكان يظهر ذلك عليه في بعض الأحيان ؛ فتارة يهيم ، وتارة يمازح بأمور في طيها فوائد ، وكان إذا اعتراه الحال احمرت عيناه ، وعلا صدره عن جسده حتى تراه يستند في مشيه إلى الجدارات ، وينفخ نفخا شديدا ، ويعرق جبينه جدا ، وترى العرق ينحدر منه كالجوهر . وكان إذا دخل في الصلاة خلف الإمام ؛ لا يكاد يطيق ما يتلقاه من المشاهدات ، فإذا سلم الإمام ؛ سلم هو وقام بسرعة ، ويخبر عن نفسه بأنه يستريح بالتحرك والمكالمة مع الناس ، وكان من لا علم عنده ينكر عليه ذلك . ومن كلامه : « أجساد الشرفاء أقوى على المشاهدة من أجساد غيرهم » ، وكان أيضا يقول : « أولها - يعني : الطريق - فنون ، ووسطها جنون ، وآخرها قيل يكون وقيل لا يكون ! » . ويقول : « من اشتغل باللّه عن غيره ؛ فهو حي ، ومن غاب عن اللّه في غيره ؛ فهو ميت » .